الخريطة الكبرى للسلوك

أطلسُ طريقتنا
بسم الله الرحمن الرحيم

الخريطة الكبرى للسلوك إلى الله

أطلسُ طريقِنا: منظوماتُ القوم متحدة

طريقُنا واحدٌ يجمع الطرق. وهنا منظوماتُ القوم يُصدِّق بعضُها بعضاً: منازلُ السائرين للأنصاري الهروي (قده) خريطةً، وذِكرُ الاسم على مَشرب السادة الشاذلية الدرقاوية سيراً، ولطائفُ السادة النقشبندية المجددية عروجاً، وشطرنجُ العارفين رقعةً تجمع ذلك كلَّه في صورة. والفطرةُ السليمةُ وإرثُ الأنبياءِ متصلاً في الأمم يَنطِقُ عن هذا الطريق الواحد بأسماءٍ متعددة.

نورٌ واحدٌ ومصابيحُ شتى، والمشكاةُ واحدة. والشيخُ يأخذ المريدَ في هذه المشارب كلِّها مَزجاً وتدريجاً: يُعطيه من كل مَشربٍ بقَدره، ويكشف له كلما ثَبَت. وما يُذكَر هنا فله أصلٌ عند القوم في كتبهم، وتفصيلُ المراحل مطويٌّ يكشفه الشيخُ لأهله في وقته، صَوناً لسير السائر.

طَريقُنا

طريقُنا يجمع المشاربَ بفضل الله: نسلك بذكر الاسم كما أخذناه عن السادة الشاذلية الدرقاوية، ونَعرُج بتنوير اللطائف كما أخذناه عن السادة النقشبندية في وقتها، ونهتدي بمنازل الأنصاري (قده) خريطةً؛ والشيخُ يمزج ذلك لكل مريدٍ بقَدر، ويكشف له بالتدرُّج كلما ثَبَت. فالأطلسُ كلُّه يَصِف المواضعَ والمنازل، وهنا نَصِف السَّيرَ نفسَه تقريباً للمريد. والطريقُ واحدٌ لا يتجزَّأ بتجزُّؤ النفوس: لا يُقال «لكلِّ نفسٍ وِردُها»، بل وِردٌ واحدٌ ومَشهدٌ واحدٌ يَعمُقان ويَصفوان كلَّما عَلا المقام، والشيخُ يُقدِّر القَدْرَ والإذن.

١. القاعدة: أُصولُ الطريقةِ الخمسة

أساسُ الطريقة الذي عليه يُبنى كلُّ شيء، كما تواترت به كتبُ السادة الشاذلية:

الأصلبيانُه وعملُه في السالك
الرُّجوعُ إلى اللهفي السرَّاء والضرَّاء: وهو مقامُ التوبة دائمةً متجدِّدة؛ بها يَدخل السالكُ الطريقَ، وبها يمشي فيه، وإليها يعود عند كل هفوةٍ وكل نعمة. فالتوبةُ بابُ الطريق كلِّه، وهي أولُ منازل الأنصاري (قده) بعد اليقظة
تقوى اللهفي السرِّ والعلانية: حفظُ الحدود ظاهراً وباطناً؛ وهي وقايةُ الطريق من أوَّله إلى آخره
اتِّباعُ الرسول ﷺفي الأقوال والأفعال: ميزانُ كلِّ ذوقٍ وكشفٍ وحال
الإعراضُ عن الخلقفي الإقبال والإدبار: تفريغُ القلب من التعلُّق بهم مدحاً وذمّاً وعطاءً ومنعاً
الرِّضا عن اللهفي القليل والكثير: سكونُ القلب إلى اختياره تعالى، مع الجِدِّ في الأسباب

هذه الأصولُ الخمسة قيَّدها الشيخُ أحمد زرُّوق (قده) في «قواعد التصوف»، وتواترت في كتب السادة الشاذلية، ويُروى معناها عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي (قده). وأتبعها زرُّوقٌ بأركانِ تحقيقها الخمسة: علوُّ الهمة، وحفظُ الحرمة، وحسنُ الخدمة، ونفوذُ العزيمة، وتعظيمُ النعمة.

٢. الذِّكر: الاسمُ المُفرَد

وِردُ الطريق واحدٌ لجميع السالكين: الاستغفارُ، والصلاةُ على النبيِّ ﷺ، والتهليلُ (لا إله إلا الله)، ثم عَمودُ السَّير عندنا كما أخذناه عن السادة الشاذلية الدرقاوية: ذِكرُ الاسم المُفرَد «الله» بالقلب، بإذن الشيخ وتحت نظره. لا يتبدَّل هذا الوِردُ بتبدُّل النفوس؛ الذي يتبدَّل هو عُمقُه: من ذِكرٍ باللسان يُجاهَد عليه، إلى ذِكرٍ بالقلب يَسري، إلى ذِكرٍ يَذكُر فيه المذكورُ نفسَه والعبدُ مَحضُ مَجلًى.

٣. المَشهَدُ والقِراءة

ومِن أنفَسِ ما نأخذه من هذا المَشرَب: استحضارُ حروف اسم الجلالة نوراً. وهما اثنان، والشيخُ يُقدِّر لكل مريدٍ وقتَه:

بيانُه
المَشهَداستحضارُ حروف اسم الجلالة نوراً، وجمعُ الهمَّة عليها، والتعلُّقُ بها محبةً وتعظيماً، واستشعارُ قُدس الله وحضورِه
القِراءةتعظُم الحروفُ حتى يَقرأ السالكُ بها كلَّ شيء: يقرأ الآفاقَ من حوله ثم ما في نفسه، ﴿سَنُريهِم آياتِنا في الآفاقِ وفي أَنفُسِهِم حتى يَتَبيَّنَ لهم أنَّه الحقُّ﴾؛ وهذا من معاني أوَّلِ الوحي: ﴿اقرَأْ باسمِ رَبِّك﴾، قراءةُ الوجود كلِّه بسم الله

والقراءةُ ثمرةُ المشهد وامتدادُه، والمشهدُ وسيلةُ جمعٍ لا غاية: متى استقرَّ الذِّكرُ في القلب استَغنى عن الصورة، وبَقِيَ النورُ بلا حرف. وتفصيلُ هذا الباب يُتلقَّى مُشافهةً عن الشيخ، لا يُقرأ في صفحة.

٤. الصُّحبةُ أهمُّ من الخَلوة

وطريقُنا طريقُ صُحبةٍ: الشيخُ الحيُّ ومُجالسةُ الفقراء والمُذاكرةُ بينهم تقوم مقامَ الخَلوات الطِّوال. والسالكُ يُؤمَر بالبقاء في سُوقه وأهلِه وحِرفته، ويُطلَب منه ما عبَّر عنه الأنصاريُّ (قده) بمنزل سَتر الحال (التلبيس) وسمَّاه النقشبنديَّةُ الخلوةَ في الجلوة: ظاهرُه مع الخلق وباطنُه مع الحقّ.

٥. رُوحُ الطريق: الافتقارُ والشُّكر

ومَدارُ النِّسبة عندنا على الانكسار والفقر: «لا حول ولا قوَّة إلا بالله» حالاً لا لفظاً، وعبدٌ فقيرٌ شاكرٌ بين يدَي مولاه في كلِّ نفسٍ ومقام. فمَن رأى لنفسه قَدَماً في الطريق فقد وَقَف؛ ومَن صَدَق في الافتقار حُمِل.

تنبيه: هذا عرضٌ عامٌّ للتقريب؛ والطريقُ يُؤخَذ عن الرجال لا عن الصفحات، والشيخُ يكشف لكل مريدٍ بقَدره في وقته.

لَطائفُ النَّقشبَنديَّة والسُّلوكُ بها

ونَعرُج بهذه اللطائف كما نسير بذكر الاسم؛ فطريقُنا يجمع، والشيخُ يكشف لكل مريدٍ بقَدره في وقته. والأنفسُ السبعةُ سُلَّمٌ في تزكية النفس، ولطائفُ السادة النقشبندية المجددية مصابيحُ في باطن الإنسان تُوقَد بالذكر واحدةً بعد أخرى فتكشف عن مقامها. فالسبعةُ تُخبِر السالكَ عن حال نفسه، واللطائفُ عن مواضع النور في باطنه، وكلاهما مرآةٌ يعرف بها السالكُ موضعَه لا عملَه؛ وأما العملُ فهو طَريقُنا: ذِكرُ الاسم ومَشهدُه.

١. العالَمان: عالَمُ الأمر وعالَمُ الخَلق

قَسَّم الإمامُ الرَّبَّاني أحمد السَّرهندي (قده) (ت ١٠٣٤هـ) الوجودَ إلى عالَمَين: عالَمُ الأمر (ما كان بـ«كُن» بلا مادّة، وهو فوق العرش) ومنه اللطائفُ الخمس: القلب، الرُّوح، السِّرّ، الخَفِيّ، الأخفى. وعالَمُ الخَلق (المادِّيّ المُتدرِّج، دون العرش) ومنه لطيفةُ النَّفس والعناصرُ الأربعة. ثم القالَبُ (الجسد كلّه) ويُسمَّى سُلطانَ الأذكار. والسُّلوكُ النَّقشبَنديُّ أنفسيّ: يَبدأ من لطيفة القلب، وهي من عالَمِ الأمر فوق العرش، أي يَبدأ من حيثُ تَنتهي طُرُقٌ أخرى، وهذا معنى قاعدتهم: «إدراجُ النِّهاية في البِداية».

اللطيفةالعالَمالمَوضِع في الجَسدلون النُّورقَدَمُ النبيّثَمرتُها الخُلقيّة (علامة تَمامها)
القَلب الأمر يَسارُ الصَّدر، تحت الثَّدي بإصبعَين أصفر آدم ﷺ مَيلُ القلب إلى المحبوب على الشَّهوة
الرُّوح الأمر يَمينُ الصَّدر، تحت الثَّدي بإصبعَين أحمر نوح وإبراهيم ﷺ الصَّبر والثَّبات
السِّرّ الأمر يَسارُ الصَّدر نحوَ الوَسَط أبيض موسى ﷺ زوالُ الطَّمع، السَّخاء
الخَفِيّ الأمر يَمينُ الصَّدر نحوَ الوَسَط أسود عيسى ﷺ كراهةُ الحسد والبُخل
الأخفى الأمر وَسَطُ الصَّدر (لُبُّ القَصّ) أخضر محمد ﷺ زوالُ الكِبر والعُجب
النَّفس الخَلق بين الحاجِبَين (الجَبهة) بلا لون (وقيل أزرق) ، انكسارُ تَمرُّد النَّفس بالكُلِّية
القالَب (سُلطان الأذكار) الخَلق الجَسدُ كلُّه / أعلى الرأس ، ، ذِكرٌ ذاتيّ في كلِّ شَعرة بلا تكلُّف

تنبيه: هذا التَّرتيبُ هو المشهورُ عند المُجدّديّة الهنديّة، وتَختلف فيه الفروعُ والسَّلاسل: فبعضُها يَعكس قَدَمَي السِّرّ والخَفِيّ (السِّرّ لعيسى والخَفِيّ لموسى)؛ وبعضُ السَّلاسل الكُبرَوِيّة (نِسبةً للسِّمناني) تُبادل لونَي القلب والرُّوح؛ ولونُ لطيفة النَّفس بين «بلا لون» و«الأزرق» وموضعُها بين الجَبهة وتحت السُّرّة. فالأسماءُ والعددُ والعالَمان ثابتة، وأمَّا المُطابَقةُ لوناً ونبيّاً فبحسَب السِّلسلة.

٢. كيفيّةُ السُّلوك: الذِّكرُ على اللطائف

يَفتح الشيخُ اللطائفَ على المُريد واحدةً بعد أخرى على التَّرتيب الصَّاعد: القلب ← الرُّوح ← السِّرّ ← الخَفِيّ ← الأخفى ← النَّفس ← سُلطان الأذكار. ولا يَنتقل إلى لطيفةٍ حتى يَجدَ أثرَ سابقتها. والذِّكرُ نَوعان:

  • ذِكرُ الاسم المُفرَد (الذَّات): «الله، الله»، ذِكرٌ خَفِيٌّ في القلب، يَتوجَّه به المُريد بعد الطَّهارة مستقبلاً القبلة، يَتخيَّل فتحةً في قلبه يَدخل منها نورُ الرَّحمة، ويُجري الاسم على القلب بالمُراقبة. وهو الدَّرسُ الأوَّل.
  • ذِكرُ النَّفي والإثبات: «لا إله إلَّا الله»، يَحبِس النَّفَس تحت السُّرّة، ثم يَرفع «لا» من السُّرّة إلى الدِّماغ، ويَردّ «إله» نحوَ الكتف الأيمن، ويَضرب «إلَّا الله» في القلب ضربةً يَسري أثرُها إلى سائر اللطائف.

وعلامةُ يَقَظة اللطيفة أنواع: نَبضٌ ودَقٌّ في مَوضعها كدقّ السَّاعة، وحرارةٌ، ثم رؤيةُ نورِها المُلوَّن في المُراقبة. وذُروتُها سُلطانُ الأذكار: أن يَذكُرَ البَدنُ كلُّه بنفسه بلا فِعلِ العبد، حتى كأنَّ كلَّ شَعرةٍ تَهتِف بالذِّكر. على أنَّ العلامةَ الصادقة ليست هذه المحسوسات، بل ما يتبدَّل من الخُلُق كما مرَّ في الجدول؛ والأنوارُ والألوانُ أماراتٌ لا مقاصد.

٣. أُصولُ الطريقة الإحدى عَشرة: كلماتُ سيدنا الخواجه عبد الخالق الغُجدُواني (قده) وزياداتُ سيدنا الشاه بهاء الدين النقشبند (قده)

الأصلالمعنى
هوش دَر دَم (الحضور مع النَّفَس)وعيٌ مع كلِّ نَفَسٍ يَدخل ويَخرج لا يَخلو من حضورٍ مع الله
نَظَر بَر قَدَم (النَّظر إلى القَدَم)غضُّ البَصر وحَصرُ النَّظر في طريقه، لئلَّا يَتشتَّت القلب
سَفَر دَر وَطَن (السَّفر في الوَطن)الرِّحلةُ الباطنة من صفاتٍ ذميمة إلى حميدة، لا الأسفار الظَّاهرة
خَلوَت دَر أنجُمَن (الخَلوة في الجَلوة)عُزلةُ القلب مع الله وسطَ النَّاس ظاهراً
ياد كَرد (الذِّكر)مُلازمةُ الذِّكر القلبيّ واللِّسانيّ
باز كَشت (الرُّجوع)ردُّ القلب بعد كلِّ ذِكرٍ بـ«إلهي أنتَ مقصودي ورِضاك مطلوبي»
نِگاه داشت (الحِفظ)حِراسةُ القلب من الخَواطر الطَّارئة
ياد داشت (الدَّوام)دوامُ الحُضور والاستغراق في الشُّهود
وُقوفٌ زَمانيّ (من زيادات سيدنا النقشبند قده)مُحاسبةٌ مُتكرِّرة: أحالي شُكرٌ أم تَوبة؟
وُقوفٌ عَدَديّ (من زيادات سيدنا النقشبند قده)مُراعاةُ وِترِيّة عَددِ النَّفي والإثبات، «أوَّلُ مراتب العلم الباطن»
وُقوفٌ قَلبيّ (من زيادات سيدنا النقشبند قده)تَعلُّقُ القلب الدَّائم بالله، قِمَّةُ الأُصول

٤. الاتِّجاه: الجَذبةُ قبلَ السُّلوك

تَمتاز النَّقشبَنديَّة بأنَّ الجَذبةَ، وهي انجذابُ القلب إلى الله، تَسبق السُّلوكَ عندهم، عكسَ أكثر الطُّرُق التي تَطلب طُولَ مُجاهدةِ النَّفس قبل أن يَذوق المُريدُ شيئاً من الانجذاب. ولمَّا كان مَبدؤها لطيفةَ القلب من عالَم الأمر، ذاق المُريدُ طَرَفاً من الغاية في البداية، فحَمَلَته الجَذبةُ على مَشاقِّ الطَّريق. وهذا معنى السَّيرِ الأنفسيّ عندهم؛ وأمَّا السَّيرُ الآفاقيّ فتزكيةُ النفس والعناصر أولاً ثم العروج.

فالنُّفوسُ السبعةُ واللطائفُ مِرآتان تُريان السالكَ مَوضِعَه، والسَّيرُ نفسُه واحد: ذكرُ الاسم، والمَشهدُ والقراءة. ومَن خَلَط بين وصف المَوضِع وطريقِ السَّير ظنَّ لكلِّ نفسٍ وِرداً خاصاً، والوِردُ واحدٌ يَعمُق ويَصفو كلَّما علا المقام.

المصادرُ والمراجع

  • مكتوبات الإمام الرَّبَّاني أحمد السَّرهندي (قده)، الأصلُ في تَقرير العالَمَين واللطائف ومراتب التَّجلّي.
  • الإمام شاه ولي الله الدِّهلوي (قده): «سَطَعات»، «ألطافُ القُدس»، «هَمَعات»، مُراجعةٌ لمنظومة اللطائف داخل التَّقليد نفسِه.
  • Arthur Buehler, Sufi Heirs of the Prophet (1998)، الدِّراسةُ الأكاديميّة المرجِعيّة لذِكر المُجدّديّة واللطائف والمُراقبات وعَلاقة الجَذبة بالسُّلوك.
  • دلائلُ الطريقة النَّقشبَنديّة المُجدّديّة (الدُّروسُ العمليّة المُتداوَلة)، تفصيلُ الذِّكر على كلِّ لطيفةٍ وترتيبه وعلاماته.
  • على هذه المراجع يُعتمَد، مع تَثبيتِ ما اختُلف فيه (الألوان وأقدامُ الأنبياء) بحسَب السِّلسلة كما نُبِّه أعلاه.

الفناءاتُ الثلاث: أذواقٌ إيمانية ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾

الفناءاتُ الثلاث ليست أفكاراً تُدرَس، بل أذواقٌ تُفتَح للسالك بعد استكمال السلوك في المحطات السابقة. وأهلُ هذا العصر، وقد شاعت بينهم كتبُ القوم وكلامُهم، يحاول أحدُهم الفناءَ قبل أن يستعدَّ قلبُه، فيقع في الشطح أو الدعوى. ولذلك نبَّه أهلُ التربية على أن أذواق الفناء لا تكون إلا بإذن شيخٍ مُربٍّ ماهرٍ مأذونٍ من الحضرة النبوية.

الدرجةالتحقيق
فناء الأفعال يَرى السالكُ أفعالَه أفعالَ الله نُسبت إليه إعارةً. من مخاطر المقام: اعتقادُ الجبر. ضابطه: التزامُ الشرع، وصحبةُ أهل الكمال، وتجنُّبُ أهل البطالة؛ فيذوق أن الله هو الفاعل دون أن يُحبِط عملَه. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾
فناء الصفات يَرى السالكُ صفاتِه (علمَه، رحمتَه، قوتَه) ظلالاً لأسماء الله. خطره: التواكل. ضابطه: الأدبُ مع الله. ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾
فناء الذات يَفنى السالكُ عن شهود نفسه. خطره: الشطح. ضابطه: الصبرُ حتى يحصل الصحوُ فيتكلَّم بلسان البقاء. ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾
فناء الفناء يُدرك أنه لم يَفنَ إلا اعتباراتُه، وأن الوجودَ الحقَّ لله؛ والكونُ لم يَزِد وجوداً ولم يَنقص. وهنا ينحلُّ السكرُ في الصحو، فيقوم بالله. ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

ليَفهَمَ المريدُ: لمَ يُصنَعُ معه هذا

  • يَحبِسُك الشيخُ عن طلب الفناء حتى تُزكَّى الأخلاقُ الكبرى؛ لأن الفناء الناقص يُظهر الأمراضَ المكتومةَ في ثوب المقامات.
  • ويُمسِك عن الفرح إذا سمعك تتكلم بلسان الفناء؛ فالكلامَ يُحسِنه اللسان، والذوقُ يشهد له الفعل.
  • ويشدُّك إلى الشريعة قبل الفناء وأثناءه وبعده؛ فالفناء الصادق يزيد العبدَ عبوديةً، ومن اتخذه باباً للتفلُّت فقد شهد على دعواه.
  • ويأمرك بستر أحوالك عن العامة؛ لأنها مدارجُ يفهمها من ذاقها وحده، وكشفُها فتنةٌ لك ولهم.

منزل «النفس» عند الأنصاري: المنزل ٧٦

ومما يَقِفُ عنده المتأملُ في المنازل أن الأنصاري (قده) يَضع في قسم الولايات (المنازل ٧١ إلى ٨٠) منزلاً اسمه «النفس». اسمها بعينها. وهذه المنزلة لا تُجاوَز في البدايات، بل في الولايات، أي بعد العروج وأثناء النزول.

وفقهُ هذا الموضع أن النفسَ التي يُجاهدها المبتدئ في البدايات (أمّارة، لوّامة) ليست هي النفس التي يُجاوزها العارف في الولايات. الأولى بعضُ الصفات الحيوانية تُروَّض، والثانية نفسٌ حقيقيةٌ لها إنِّيَّةٌ وعلمٌ وإرادة. ولذلك يُفاجأ السالك المتقدّم بأن ما حسبه قد فَنِيَ ما زال موجوداً، لكن بصورةٍ أرقّ.

وهذا بالضبط ما يَصفه الشيخ المتقدّم حين يَكتشف بعد عشرين سنةً من السلوك أن أمراضاً نفسانيةً قديمةً تَعود إليه في صورةٍ جديدة. لا تعجب، هذا منزلٌ مكتوبٌ في منازل السائرين قبل ألف عام، وهو منزلٌ يَجب عبوره ولا يُحتجَر منه. والذي يَعبره يَصل إلى منزل التمكين (#٨٠)، ومن وقف عنده انكشف له أمراً واحداً قطعياً: ليس فوق العَبْدية مقام.

«النفس على ثلاث: نفسٌ يَجاهدها المبتدئ بالأذكار، ونفسٌ يُجاوزها المتوسّط بالأحوال، ونفسٌ يَعود إليها العارف بالمكاشفة فيَراها مَنزلاً يَجب اجتيازه، وهذا أَخفى ما في الطريق». ، تحقيق على هدي الأنصاري

سَترُ الحال: مَنزلُ الأنصاري الخامسُ والتِّسعون والخَلوةُ في الجَلوة

في قسم النِّهايات من «منازل السائرين»، يَضَع الأنصاريُّ (قده) المنزلَ الخامسَ والتسعين بين التَّحقيق (٩٤) والوُجود (٩٦)، وسمَّاه في الكتاب «التلبيس». وليَحذَرِ القارئُ من اللفظ: فليس هو تلبيسَ الشيطانِ على الغافلين، ذاك خِداعٌ يَصرِف عن الحق؛ وهذا الذي عند الأنصاري سَترُ الحالِ بالحق: أن يَلبَس العارفُ المُحقِّقُ لِباسَ البَشريَّة بعد ما تَحقَّق، فيَرجِع إلى الخلق ظاهراً يَأكل ويَشرب ويَعمل ويَضحَك ويَحزَن، وباطنُه في حَضرةٍ لا يَطَّلِع عليها أحد. إنه سَترُ الحقيقة بالعادة، وصَحوٌ بعد سُكر، ورُجوعٌ إلى الفَرق بعد الجَمع، حِفظاً لأدب العبوديَّة وصَوناً للسرّ.

وهذا المعنى عزيزٌ عند أهل الطريق كلِّهم، وكلُّ مَشربٍ يُدخِله على المريد من بابه. فعند السادة النَّقشبنديَّة هو أصلٌ من أصول الطريقة نفسِها لا ثمرةٌ تُنتظَر: سمَّوه «الخَلوةَ في الجَلوة» (خَلوَت دَر أنجُمَن)، وهو من كلمات سيدنا الخواجه عبد الخالق الغُجدُواني (قده) الثَّمانية: ظاهرُ العبد مع الخلق وباطنُه مع الحق، مُنفرِداً بربِّه في زِحام الناس. وعلى هذا السِّرِّ بُني ذكرُهم الخفيُّ الذي سنَّه الغُجدُواني (قده) وأحياه بعده سيدنا بهاءُ الدين نقشبند (قده) وجعله سِمةَ الطريقة: ذكرٌ لا تسمعه الآذان، وسيرٌ لا تراه العيون؛ فيتلقَّى المريدُ السترَ من أول يومه منهجاً وأدباً، لأن طريقتهم جذبةٌ ثم سلوك، يُعطى السالكُ فيها طرفاً من النهاية ثم يُطالَبُ بتحقيقه.

وعند سادتنا الشاذليَّة المعنى نفسُه يدخل من الباب الآخر. يبقى المريدُ في سوقه وصنعته وأهله بلا رهبانيةٍ ولا تميُّزٍ بلباس، ويُلقَّن من أول الطريق قولَ ابن عطاء الله (قده): «ادفِنْ وُجودَك في أرضِ الخُمول» (الحكمة ١١): يَستُر عملَه وحالَه عن الأعين حتى يصحَّ له، فذاك سترُ البداية. فإذا تحقَّق في النهايات رَجَع إلى الخلق بلباس البشرية، يبيع ويشتري ويضحك ويحزن وباطنُه في الحضرة، وذاك مقامُ الأنصاري (قده) الخامسُ والتسعون بعينه. فالسَّترُ عندهما جميعاً أدبٌ يُؤخَذ في البداية، ومقامٌ يُوهَب في النهاية؛ بابان إلى بيتٍ واحد، يُصدِّق أحدُهما الآخر.

وكما تكامل البابان تكاملت الأطوار: فالطريقتان نفساهما تَجدَّدتا قرناً بعد قرن، إذ نُقِّح الذكرُ الخفيُّ وترتيبُ اللطائف عند النقشبندية على يد الإمام الرَّبَّاني السَّرهندي (قده) ومَن بعده، وجدَّد الشاذليةَ سيدي مولاي العربي الدَّرقاوي (قده) بذِكر الاسم المفرد؛ كلُّ طَورٍ أخذ ما احتاجه وقتُه وحَفِظ الأصلَ الذي لا يتبدَّل. فليس الجمعُ الذي نحن عليه بِدْعاً في الطريق، بل هو سُنَّةُ الطريقِ نفسِها. وعلى هذه السُّنة يمضي طريقُنا: يُلقَّن السالكُ سترَ الحال أدباً من أول يومه، ويُرجى له مقامُه في نهايته، حتى تكون «الخلوةُ في الجلوة» سِمتَه الدائمة، لا يفضحه حالُه ولا يدَّعي لسانُه.

المصادر: «منازل السائرين» للأنصاري الهَرَوي (قسم النهايات، المنزل ٩٥)؛ شرحا عبد الرزاق الكاشاني (قده) وعفيف الدين التلمساني (قده) على المنازل (باب التلبيس)؛ وأصلُ «خَلوَت دَر أنجُمَن» في كلمات سيدنا الخواجه عبد الخالق الغُجدُواني (قده) الثَّمانية؛ و«الحِكَم العطائية» (الحكمة ١١)؛ و«مكتوبات الإمام الرَّبَّاني» للسَّرهندي (قده) في التَّرتيب المُجدِّدي؛ وسِيَرُ الطبقات النَّقشبنديَّة في أخبار الذِّكر الخفيِّ وإحيائه، ومنها «رَشَحاتُ عين الحياة»؛ ورسائلُ مولاي العربي الدَّرقاوي (قده) في مَشرب الاسم المفرد.

★ شطرنج العارفين

متنٌ منسوبٌ إلى الشيخ الأكبر ابن العربي (قده)، وشرحُه «أنيسُ الخائفين وسميرُ العاكفين» للشيخ محمد الهاشمي التلمساني (قده). جَعَل المقاماتِ المئةَ رقعةَ شطرنجٍ يسير عليها العبدُ من العَدَم إلى التوحيد: ترفعه سهامٌ، وتجرُّه كلاليب، والفاعلُ الحقيقيُّ على الرقعة هو اللهُ الواحدُ القهار.

📜 التعريفُ بالكتاب ◉ الرَّقعةُ التفاعلية (100 خانة)